ابن الجوزي
193
صفة الصفوة
وعن شريح بن عبيد ، وراشد بن أسعد ، وغيرهما ، قالوا : لما بلغ عمر بن الخطاب « سرغ » « 1 » حدث أن بالشام وباء شديدا فقال : بلغني شدة الوباء بالشام ، فقلت : إن أدركني أجلي وأبو عبيدة حي استخلفته . فإن سألني اللّه عزّ وجل : لم استخلفته على هذه الأمة ؟ قلت : إني سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول : « إن لكل نبي أمينا ، وأميني أبو عبيدة بن الجراح » فإن أدركني أجلي وقد توفي أبو عبيدة استخلفت معاذ بن جبل . فإن سألني ربي عزّ وجل : لم استخلفته ؟ قلت : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول : « إنه يحشر يوم القيامة بين يدي العلماء نبذة « 2 » » . وعن عمر بن الخطاب أنه قال لأصحابه : تمنوا . فقال رجل : أتمنى لو أن لي هذه الدار مملوءة ذهبا أنفقه في سبيل اللّه عزّ وجل . ثم قال : تمنوا . فقال رجل : أتمنى لو أنها مملوءة لؤلؤا وزبرجدا أو جوهرا أنفقه في سبيل اللّه عزّ وجل وأتصدق به . ثم قال : تمنوا فقالوا : ما ندري يا أمير المؤمنين . فقال عمر : أتمنى لو أن هذا الدار مملوءة رجالا مثل أبي عبيدة بن الجراح . وعن هشام بن عروة عن أبيه قال لما قدم عمر الشام تلقاه الناس وعظماء أهل الأرض فقال عمر : أين أخي ؟ قالوا من ؟ قال : أبو عبيدة . قالوا : الآن يأتيك . فلما أتاه نزل فاعتنقه ، ثم دخل عليه بيته ، فلم ير في بيته إلا سيفه وترسه ورحله . فقال له عمر : ألا اتخذت ما اتخذ أصحابك ؟ فقال : يا أمير المؤمنين هذا يبلّغني المقيل . ( رواه الإمام أحمد ) . وعن أبي قتادة ، أن أبا عبيدة بن الجراح قال : ما من الناس من أحمر ولا أسود ، حر ولا عبد ، عجمي ولا فصيح ، أعلم أنه أفضل مني بتقوى ، إلا أحببت أن أكون في مسلاخه « 3 » . وعن نمران بن مخمر عن أبي عبيدة بن الجراح ، أنه كان يسير في العسكر فيقول : ألا ربّ مبيض لثيابه مدنّس لدينه ، ألا رب مكرم لنفسه وهو لها مهين بادروا
--> ( 1 ) مدينة بالشام . ( 2 ) أي ناحية . ( 3 ) المسلاخ : الجلد .